رجلٌ مُتقدِّمٌ في العمر جالسًا يقرأ

رسمَ الفنَّان العالميّ فان جوخ Van Gogh  هذه اللوحة المُعبرِّة – والتي تكاد تنطق بالكلمات – عن رجُلٍ مُتقدِّم في العمر يجلس في وضعٍ جسدي مُعبِّرٍ، وفي هدوءٍ وتأمُّل.

ماذا يفعل هذا الرجل؟ إنه يقرأ. في هذه اللوحة عبَّر الفنَّان العظيم عن إحدى ركائز الحياة البشريَّة: القراءة… القراءة في هدوءٍ وتأمُّل واختلاءٍ بالنفس.

وفي تقديمنا لهذه الكلاسيكيات المسيحية العملاقة، ندعو القارىء إلى أخذ نفس “وضع” رجُل لوحة فان جوخ Van Gogh. في هذا “الوضع” نذهب للأبدية!

ما الذي يعبِّر عنه هذا الوضع؟

أولاً: إنه يعبِّر عن إنسانٍ اقتلع نفسه من زحمة الحياة وصخبها وانشغالاتها وضجيجها، ثم أخذ هذه النفس إلى “موضع خلاء“. هناك يتقابل مع نفسه، ومع خالقه.   

ثانيًا: يعبِّر هذا الوضع عن قرار واتجاه ورغبة وتصميم على أخذ النفس في رحلة تدريب شاقة في مُعترك القراءة والبحث والتفكير. إن أهم معركة للإنسان في هذه الحياة التعيسة التي نعيشها هي “معركة الفكر والتفكير“. قال فرانسيس شيفرFrancis Schaeffer ، أحد عمالقة رجال الله في القرن العشرين، “الحرب هي حرب الفكرThe Battle is the battle for the mind “. ويقصد شيفر بهذه العبارة، أنَّ الصراع بين الله وبين الشيطان وقوى الشر الروحية، هو صراعٌ على امتلاك فكر الإنسان والتحكم به. عندما يدرِّب الإنسان نفسه في شبابه في مُعترك القراءة والفكر سيجد نفسه في شيخوخته ذاهبًا بسهولة إلى “موضع الخلاء” الذي اعتاد عليه في سنين حياته.

ثالثًا: إنه “وضع” الخشوع والخضوع أمام “كلمةٍ مكتوبة“. هنا في هذا “الوضع” اعترافٌ صارخ مُدوّي للإنسان بأنه لا يستطيع أبدًا أن يعيش الحياة بدون “كلمةٍ مكتوبة“. بالنسبة للإنسان، الكلمة المكتوبة هي تجربة مَنْ سبقوه ومَن أقامهم الله ونصَّبهم في الحياة ليكونوا مُرشدين ومعلمين وممسكين بالمصباح لإنارة الطريق لمَنْ يأتي بعدهم. هؤلاء المُرشدين المستنيرين هم مَنْ تركوا لنا “كلمةً مكتوبة”. هذه “الكلمة المكتوبة” تقف على قاعدة “كلمة الله المكتوبة” في الحياة، وأيضًا في الوحي المقدَّس “المُسلَّم مرةً للقديسين”. كان المسيح يقول دائمًا “إنه مكتوبٌ…” منذ بدء الخليقة يتكلم الله كل يوم في التاريخ وللإنسان. وعندما يتكلم الله، يتحتَّم على الإنسان أن “يقرأ“. فاقرأ إذًا من أجل نفسك!

رابعًا: إنه “الوضع” الذي يُعبِّر عن اشتياق النفس. تشتاق النفس الصادقة البارة إلى الاختلاء والهدوء والسكينة وحياة التأمُّل. يوحي لنا “رجُلُ” فان جوخ بأنه وجد مُبتغى ومشتهى نفسه. لقد تعب من السير في الحياة والآن يأتي إلى “موضع خلاء“… يأتي إلى نفسه وإلى خالقه ومخلِّصه والرجاء الوحيد المتبقي له. لقد بحث في كل موضعٍ وفي كل مكان… بحث مع شولميث التي طافت المدينة باحثةً وتبحث… والآن، أخيرًا وجَدَ ضالَّته، وأراد أن يذهب مع “حبيب نفسه” إلى موضع خلاء.   

أيُّها الإنسان…. قد تقول في نفسك: “عندما أتقدَّم في العُمر، سوف أتحرر من مشغوليات الحياة الطاحنة وعندئذٍ أجد الوقت لأقرأ.” أقول لك في هدوءٍ ويقينٍ: إذا لم تقرأ الآن في شبابك وفي وسط كل مشغولياتك، فلن تقرأ في شيخوختك. هذا هو قانون الحياة والقانون الإلهي المحفور في صخر الحياة.

مَنْ يعرف الله حقًا… يقرأ… نعم يقرأ. مَنْ لا يعرف الله، لا يقرأ.

اقرأ إذًا من أجل نفسك.

د. سامي فوزي

القاهرة، مايو 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.